بقلم: دلاور زنكي..
أسماء كثيرة تمر بالذاكرة أو تخطر على البال وتطوف بها تشع لحظة ثم لا تلبث أن تتبدد كسراب في هاجرة مفازة قائظة أو تومض كما يومض شهاب هنيهة قصيرة ثم يخمد وينطفئ. ثم
بقلم: دلاور زنكي
أسماء كثيرة تمر بالذاكرة أو تخطر على البال وتطوف بها
تشع لحظة ثم لا تلبث أن تتبدد كسراب في هاجرة مفازة قائظة أو تومض كما يومض شهاب
هنيهة قصيرة ثم يخمد وينطفئ. ثم تندثر هذه الأسماء فلا تعود إلى ذكرها، وقد ننكر
في وقت من الأوقات أنها كانت موجودة في يوم من الأيام. ولكنّ أسماء قليلة إذا طافت
بالذاكرة توغلت في أغوارها واستقرت في أعماق النفس وترسخت فلا يمحوها كرّ النهار
ومرِّ العشيِّ لأن أصحاب هذه الأسماء كانوا أصحاب فضل قدموا لشعوبهم أو لشعوب
الأرض قاطبة خيراً ومنافع جليلة، وهل يسعنا أن ننسى "الخوارزمي" و
"ابن سينا" و "ابن رشد"؟ وهل نستطيع أن نخلي الذاكرة من اسم
"فيثاغورس" و "سقراط" و "أديسون"؟ هؤلاء الذين
كانوا أقماراً وشموساً ساطعة في الفكر البشري، وستظل الإنسانية تنتفع بآرائهم
ونظرياتهم وما تركوا من بديع الابتكارات، وروائع الفنون والعلوم. فإذا صح هذا
القول واستقامت هذه العبارة فليس من مندوحة أو سبيل إلى نسيان صديق حميم وأخ بار
منعوت بكل نعوت الرجولة والمروءة، حاز كل المكرمات واصطنع المعروف والفضائل ما
استطاع إلى ذلك سبيلاً وأوتي من الحكمة والأناة ودماثة المزاج والخلق الرفيع وعلوّ
الهمة وسمو النفس ونبل الطباع المعلم الكبير السياسي المخضرم "أبو شيار"
الذي اجتمعت سجاياه على الحلم والفطنة وحسن التدبر، هذه السجايا التي قد تسوّغ لنا
القول: "لو كانت النبوة تُنال بالنباهة والحلم والحكمة ووفرة الذكاء والتشوف
إلى الخير لنالها "أبو شيار".
عرفته أول مرة في عام 1980م وبدأت هذه المعرفة تزداد
عمقاً وشمولاً وتوطدت بيننا أواصر الود والاحترام أكثر كلما تكرر اللقاء، وكان
إعجابي بآرائه السديدة، ونظرته الصائبة إلى الأمور في صعود. كنت التقي به فأحاوره
ويحاورني محاورة الند للند والصديق للصديق وكنت أنظر إليه نظرة التلميذ إلى معلم
امتلأ صدره بالحكمة، وأترعت نفسه بالمواعظ والعبر والخبرات المتراكمة نتيجة مراس
طويل ومخالطة الناس بكل أنماطهم وألوان تفكيرهم ونوازعهم، فقد كان موسوعة عامة
وشاملة لكل مل يري في مجتمعه.
كان سباقاً ومبادراً إلى تبني كل عمل جليل يرى فيه نفعاً
في تطوير أبناء قومه وتوحيد حركاتهم النضالية، وجمع كلمتهم ليلتئم جمعهم وينبذا كل
شقاق وخلاف. لأنه كان يراهم أشقاء في الحقوق والواجبات، شركاء في السراء والضراء،
لا يحابي أو يجامل أحداً دون وجه حق، لا يهاب من الجهر بالحق وإعلانه مهما كان ثمن
هذا الجهر والإعلان ممضاً وباهظاً. يتشبث بيديه كل التشبث إذا تأكد له أن الحق إلى
جانبه، ولكنه سرعان ما يدع موقفه فيما لو بان له أن نظيره الذي كان يعارضه على رأي
صائب.. وقلما كان معارضه على صواب يفعل ذلك بكل يسر ورحابة صدر، لأنّ رسالته
الإنسانية وطيبة نفسه ودماثة أخلاقه كانت تحتم عليه اتخاذ هذا النهج في مجمل سيرته
طيلة حياته.
في تلك الأيام التي كنت أعاشره وأقف منه على مسافة قريبة
وهذه الأيام كانت حقبة طويلة لم أسمع منه كلمة نابية أو مقولة جارحة أو أية إساءة
أخرى مهما كانت صغيرة يوجهها إلى مناوئيه وخصومه السياسيين. لقد كان يناضل
ويحاربهم بالسلاح الذي كان "زرادشت" يحارب به أعداءه الكلمة الطيبة،
والفكر الطيب، والعمل الطيب. يجالس الصغير والكبير.. العظيم وغير العظيم، يصغي إلى
الرجل كما يصغي إلى المرأة.. يقدّر المرأة ويعظّم من شأنها ويسعى إلى رفع الحيف
عنها، وإنقاذها من الجهل والتخلف ومن كل الأوبئة والأمراض التي نجمت عن استبداد
الرجل وطغيانه وتسلطه عبر قرون طويلة غابرة، لأن المرأة هي الركن والأساس وهي
المدرسة الأولى التي يشيّد فيها بنيان المجتمعات فأي جيل من التلاميذ سيتخرج من
مدرسة منهارة أو متداعية للسقوط، وأي خير يرجى من معلمة مُرشدة، مربية إذا كانت
معتلة النفس، سقيمة العقل، غذيت بلبان الذل والهوان؟ لقد كان يدعو إلى إصلاح
المجتمع وتنقيته من أدرانه ونقائصه وعيوبه دون هوادة، وكانت المرأة في أحوالها
المزرية، الغارقة في البؤس والتعاسة والاضطهاد تستأثر بمساحة شاسعة من هذه الدعوة
وتنال قسمة كبيرة.[1]
ولعلنا لا نبعد أو ننأى عن سواء السبيل اذا وصفناه بما
أضفى الناقد المعروف "رجاء النقاش" على الروائي "نجيب محفوظ"
من أوصاف: "حرص على السهولة والبساطة الكاملة في ملبسه ومظهره، صاحب بال
طويل، وصدر واسع رحب.. يتمتع بنفسية شديدة التسامح، أمين، صادق مع نفسه ومع
الآخرين، عميق الثقة بنفسه، ولكنها ثقة خالية من أي تبجح أو غرور، متواضع، لديه
استعداد للرضا بما تأتي به الأيام، مع ميل للتفاؤل في أشد لحظات الحياة صعوبة
وشدة" و "خفيف الظل، سريع البديهة". وفوق هذا وذاك كان "أبو
شيار" عذب الحديث، لا تفارقه البشاشة، كريماً مضيافاً، يؤثر الشؤون العامة
على حاجاته الخاصة، منهمكاً في تلبية ضرورات مجتمعه، لا يكاد يجد متسعاً من الوقت
للالتفات إلى راحته. وكان محباً للناس جميعاً وكانوا يدركون ذلك تمام الإدراك
فأحبوه كل الحب، وبذلوا له الإجلال كله والاحترام كله. وإضافة إلى هذا وذاك فقد
كان صاحب مدرسة سياسية اجتماعية فكرية تستمد نظرياتها من المنطق الرصين، والتأمل
العميق والحجة الدامغة والبيان الساطع، وتصدر قراراتها مبنية على أسس راسخة من
مراعاة الصلاح العام، بعيدة عن الأثرة والأنانية والمنافع الفردية.
إن الحديث عن مآثره كثيرة وذات طرائق وشجون، يطول بنا
ذكرها جميعاً ولكن لا بدّ لنا من التنويه والإشادة ببعضها. فبتوجيه منه صدرت خمسة
أعداد من مجلة "كلاويز" (ولأول مرة في تاريخ الصحافة الكردية في سورية)
في طباعة أنيقة ومظهر قشيب، وخصص الرواتب المجزية للعجزة لغامرين عن العمل وللأسر
والعائلات التي غاب عنها معيلوها لسبب من الأسباب. وكان يشجع ويلح على إقامة
الندوات واللقاءات الثقافية لتنشيط الحركة الأدبية والفنية والارتقاء بهما. وتبنى
نشر كتب ودواوين للأدباء والشعراء وأقام حفلات لتكريمهم لأنه يعلم أن كل تكريم
لأهل القلم حافز ومحرض على مزيد من العطاء سواء معنوياً كان هذا التكريم أو
عينياً.
ولئن ظهرت في أيامهِ فئة أو زمرة من الناس الذين لم
يكونوا راضين كل الرضا عن آرائه ونظرياته عن الواقع وعن المستقبل فلأنهم عجزوا عن
قراءة أفكاره قراءة سليمة كما أخفقوا في فهم مراميه الدقيقة والبعيدة، ولم
يستوعبوا معانيها. إلا أننا قد نعثر لهم على عذر في هذا العجز وهذا الإخفاق لأنَّ
هذا الرجل العظيم النابغة كان حضوره في هذا الزمن بالذات سابقاً لأوانه وكان حرياً
بهذا الحضور أن يكون بعد أن ينصرم من الدهر خمسون عاماً.
لقد رحل "أبو شيار" إلى الملكوت الأعلى، وأدرج
اسمه في سجل الخالدين، وبقيت محبته وحسناته ومآثره الجليلة التي لا تعد ولا تحصى
شاخصة في قلوب أبناء شعبه الأوفياء وستظل كذلك إلى أبد الآبدين.
[1] - ولسنا ناسين حدبه المفرط لزوجته المعتلة، المدنفة،
ورفقه ورأفته بها، ولا ننسى ذلك العطف والحنان اللذين كان يغدقهما عليهما أعواماً
طويل دون ملل أو تذمر، ويتجشم في سبيل ذلك مشقة نفسية لا يقدر على حملها إلا
العظماء من الرجال.